أدباء السجون
8/21/1970

shadow

أدباء السجون / عبد العزيز الحلفي

الموضوعات. الشعراء العرب · الشعر العربي · الشعر العربي - نقد ...


كتاب ( أدباء السجون ) إطلالة على عالم غريب لما يعتلج في تضاعيفه من أحاسيس وما يثير في النفس من مشاعر وآمال وذكريات .
وهل أفعل في النفس وأطلق للخيال من أن يُزج الأديب في قعر مظلمة ؟ يسقى فولاذ ذاته غسلين الألم ويصقل جوهر ( أناة ) المشي في القيود والتعثر في الحديد مفارقاً الدنيا وهو على رأس أحيائها ومزايلاً الوجود وهو وقدة الشعور ويقظة الحس فيه , تصعيداً لآه الألم في توثب إلى عوالم الأمل ... 
ملوك ... ووزراء ... صعاليك ... وكبراء ... أصحاب مذاهب حقة في أعلام هداية ... وأرباب بدع خرقاء في مباءات شقاوة ... مروا جميعاً بسجن الجسد على اختلاف المشارب وتباين المذاهب يجمعهم من مختلف أمصارهم ومتنائي ديارهم ومتباعد أزمانهم , سجن غريب في السجون , فريد في الزنزانات , تسمع من وراء جدرانه شتى الزفرات وتمخر في عباب العبرات ... وما ذاك السجن سوى صفحات كتاب ( أدباء السجون ) .

نشأة السجون وتطورها في التاريخ : 

انتزعت فكرة إنشاء السجون من صميم الحياة الاجتماعية وملابساتها ونشأت مع الأجيال ظاهرة خاضعة لطبيعة الاجتماع وفلسفة الحياة , غير أنها لم تتكيف بهذا الحال السائد اليوم في السجون إلا بعد فترات طويلة من التاريخ اكتسبت فيها من العوامل الزمنية ونالت من طبائع الأقاليم ومقتبسات الأنظمة والقوانين أوفى العنايات . 
ويتميز العصر الحاضر بهذه الظاهرة وعلى الأخص في الغرب , فقد أولو الشأن هناك بالسجون عناية كبرى , فجعلوا منها نواة لتهذيب الطباع , وتركيز محاسن الأخلاق في أكثر النفوس الشريرة وطبعها على المبادئ القويمة , والعواطف الإنسانية , كما انتفعوا بنشاط هذه الطبقة في أكثر الأعمال والصناعات , ولعل أول من سبق إلى تشغيل السجناء وتصنيعهم هم العرب في العصر العباسي الذهبي ... أليس عبد الله بن المعتز هو القائل في سجنه : 
تعلمت في السجن نسج التكك ***** وكنت امرأ قبل حبسي ملك 
وفي التاريخ ما يدلنا على اهتمام العرب الكبير بالسجون في مختلف عصورهم , وصور تلك السجون وأثرها في حياة العرب وأدبهم , كما في سجون المناذرة والغسانيين في العصر الجاهلي , وكما في العصر الإسلامي في السجون التي أقامها الخلفاء إلا أنه في بدء هذا العصر اتخذ المسلمون من سجونهم كحالات مؤقتة كل ما أمكنهم حتى كان يحبس في المسجد والدهليز . أثر 

السجون في الأدب العربي : 

كما كانت السجون واغلة في تاريخ العرب منبثقة من حياتهم السياسية والاجتماعية , كذلك كان أثرها بعيداً متأصلاً في لغتهم وصور أدبهم , فمنذ الجاهلية وعصور المناذرة وايام الغسانيين برم الشعراء بالسجون وجاء على ألسن المساجين منهم كثير من الشعر الرائع في وصف السجون وتصوير أوضاعها ومكارهها ولعل للتأثر البالغ الذي يصدر عنه الشعراء والأدباء وهم بين جدران سجونهم نتيجة للأحوال المرهقة , الأثر الكبير في أيقاظ ملكاتهم وشحذ قرائحهم الحال الذي جعل من السجون عاملاً قوياً في تركيز الأدب وإعلاء مقاييسه فاتسم أدب المساجين بطابع القوة وتميز بمظاهر الحياة وارتفعت فيه المقاييس فكان في الذروة فيما تناول من سوانح وتأملات وصور وحسبنا أن نقرأ من العصر الجاهلي قول عدي بن زيد العبادي يصف حاله وهو في حبس النعمان : 
ولقد ساءني زيارة ذي قر ***** بى حبيب لو دنا مشتاق 
ساءه ما بنا تبين في الأيدي ***** واشناقها إلى الأعناق 
فاذهبي يا أميم غير بعيد ***** لا يؤاتي العناق من في الوثاق 
واذهبي يا أميم ان يشأ الله ***** ينفس من أزم هذا الخناق 
أو تكن وجهة فتلك سبيل ***** الناس لا تمنع الحتوف الرواقي 

العصر الجاهلي : 
------------- 

طرفة بن العبد 
( في سجن البحرين ) : 
-------------------

هو عمرو بن سفيان بن سعد البكري مات أبوه وهو طفل , فكفله قومه فنشأ مهملاً سيئ التربية , محباً للدعة ميالاً للخمر وقد دعاه نزق الشباب والإعجاب بالنفس أن يهجو عمرو بن هند ملك الحيرة فاحتقدها عليه حتى إذا وفد عليه مع خاله المتلمس هش للقائهما وأمر لكل منهما بصلة وأحالهما بكتابين على عامله بالبحرين ليستوفياها منه , وفي أثناء الطريق داخل المتلمس من الصحيفة همٌ واستشعر الخوف , فالتمس من يقرأها له , فإذا فيها : ( باسمك اللهم , من عمرو بن هند إلى المعكبر : إذا أتاك كتابي هذا مع المتلمس فاقطع يديه ورجليه , ثم ادفنه حياً ) فألقى الصحيفة في نهر هناك وقال لطرفة : ( معك والله مثلها ) فقال : ( ما كان ليكتب لي مثل ذلك ) وأخذ بوجهه حتى أتى العامل وقرأ الصحيفة وقبض عليه وسجنه على أشهر الروايات , وكتب إلى عمرو بن هند : ( ما كنت لأقتل طرفة , فإذا أردت قتله فابعث إليه من يقتله ) فبعث إليه من قتله , وخيّر في قتله فاختار أن يسقى الخمر , ويفصد أكحلاه , ففعل به ذلك .... هذه أشهر الروايات في قتله . 
ومن شعره في السجن قوله يخاطب عمرو بن هند : 

ألا اعتزليني اليوم يا خول أو غضي *** فقد نزلت حدباءُ محكمةُ العض 

أبا منذر كانت غروراً صحيفتي *** ولم أعطكم بالطوع مالي ولا عرضي

أبا منذر أفنيتَ فاستبقِ بعضنا *** حنانيك بعض الشر أهونُ من بعض 

فاقسمت عند النصب إني لهالكٌ *** بملتفةٍ ليست بغبط ولا خفض 

خذوا حذركم آل المشقر والصفا *** وعبدا سبيد والقرض يجزى من القرض

ستصبحك الغلباءُ تغلب غارةً *** هنالك لا ينجيك عرضٌ من العرض 

وتلبس قوماً بالمشقر والصفا *** شآبيب موت تستهل ولا تغضي 

تميل على العبدي في جوّ داره *** وعوفِ بن سعد تخترمه عن المحض 

ما أورداني الموت عمداً وجرّدا *** من الغدر خيلاً ما تملّ من الركض 

وقوله يلوم أصحابه على خذلانهم إياه : 

أسلمني قومي ولم يغضبوا *** لسوءةٍ حلت بهم فادحةْ 

وكم خليل لك خاللته *** لا جعل الله له واضحةْ 

وكلهم أروغ من ثعلب *** ما أشبه الليلة بالبارحةْ 


معلومات أخرى

الكاتب:عبد العزيز الحلفي
دار النشر:دار الكاتب العربي
السعر($):0.00
اللغة:عربي
471

تعليقات